ابن الحسن النباهي الأندلسي

97

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

التي كانت مماثلة « 1 » على الصّرح الممرّد المشهور شأنه بقصر الزهراء ، قراميد مغشاة ذهبا وفضة ، أنفق عليها مالا جسيما ، وقرمد سقفها بها « 2 » ، تشتّت « 3 » الأبصار بأشعّة أنوارها « 4 » . وجلس فيها يوما « 5 » ، إثر تمامها ، لأهل مملكته ، فقال لقرابته منهم « 6 » من الوزراء وأهل الخدمة ، مفتخرا بما صنعه من ذلك : « هل رأيتم ، أو سمعتم ملكا كان قبلي فعل مثل فعلي « 7 » هذا أو قدر عليه ؟ » فقالوا : « لا ! يا أمير المؤمنين ، وإنّك لواحد « 8 » في شأنك كلّه ، وما سبقك إلى مبتدعاتك هذه ملك رأيناه ، ولا انتهى إلينا خبره » فأبهجه قولهم وسرّه . وبينما هو كذلك ، إذ دخل عليه القاضي منذر بن سعيد ، واجما ناكس « 9 » الرأس : فلمّا أخذ مجلسه ، قال له كالذي قال لوزرائه من ذكر السقف المذهّب ، واقتداره على إبداعه ؛ فأقبلت دموع القاضي تنحدر على لحيته ، وقال له : « واللّه ! يا أمير المؤمنين ، ما ظننت أنّ الشيطان - لعنه اللّه - يبلغ منك هذا المبلغ ، ولا أن تمكّنه من قبلك هذا التمكين ، مع ما آتاك اللّه من فضله ونعمته ، وفضّلك به على العالمين ، حتى ينزلك منازل الكافرين » قال : فانفعل عبد الرحمن لقوله ، وقال له : « انظر ما تقول ! وكيف أنزلتني منزلتهم ؟ » فقال له « 10 » « نعم ! أليس اللّه تعالى يقول : وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ « 11 » . فوجم الخليفة ، وأطرق « 12 » مليّا ، ودموعه تتساقط خشوعا للّه سبحانه ، ثمّ أقبل على منذر وقال له :

--> ( 1 ) في نفح الطيب « مائلة » . ( 2 ) في نفح الطيب : « به » . ( 3 ) في نفح الطيب : « تستلب » . ( 4 ) في نفح الطيب : « نورها » . ( 5 ) في نفح الطيب : « وجلس فيها إثر تمامها يوما . . » ( 6 ) في نفح الطيب : « ومن حضر من الوزراء » . ( 7 ) كلمة « فعلي » ساقطة من نفح الطيب . ( 8 ) في نفح الطيب : « لأوحد » . ( 9 ) في نفح الطيب : « سعيد ، وهو ناكس الرأس » . ( 10 ) في نفح الطيب : « قال » . ( 11 ) سورة الزخرف 43 ، الآية : 33 . ( 12 ) في الروض المعطار : « ونكس رأسه مليّا » .